avalw news
عمر الفارسيعمر الفارسيVIEW PROFILE →

عندما يكتب الذكاء الاصطناعي القانون: الإمارات تدخل غرفة صنع القرار وتعيد تعريف دور الحكومة

tech2026-08-22 · 3 min read · 0 reads

لم تعد الإمارات تكتفي ببناء مراكز البيانات العملاقة؛ فهي أول دولة في العالم توظّف الذكاء الاصطناعي لصياغة تشريعاتها ومراجعتها، بل وتمنحه مقعداً استشارياً في مجلس الوزراء. مشروع جريء يَعِد بتسريع هائل، ويطرح أسئلة عميقة عن المساءلة.

حين يدور الحديث عن طموح الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار عادةً إلى مراكز البيانات العملاقة والشراكات مع كبرى شركات الرقائق والحوسبة. لكن الرهان الأكثر جرأة، والأعمق أثراً على المدى الطويل، لا يجري داخل قاعات الخوادم، بل في المكان الذي يُصنع فيه القانون ذاته: غرفة صناعة القرار الحكومي.

ففي أبريل 2025، أعلنت الإمارات خطة تجعلها أول دولة في العالم تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل منهجي لصياغة تشريعات جديدة ومراجعة القوانين القائمة وتحديثها. لم يكن الإعلان مجرد شعار عن التحول الرقمي، بل إعادة تعريف جوهرية لكيفية تفكير الدولة في التشريع نفسه، ولمن يملك القدرة على اقتراح تغييره.

من أتمتة الخدمات إلى صناعة القانون

لفهم حجم النقلة، يجب التمييز بين ما فعلته حكومات كثيرة وما تحاول الإمارات فعله. معظم الدول استخدمت التقنية لأتمتة الخدمات: تجديد رخصة، دفع غرامة، حجز موعد. أما هنا فالطموح مختلف تماماً؛ إذ ينتقل الذكاء الاصطناعي من تقديم الخدمة إلى المشاركة في تصميم القاعدة القانونية التي تحكم تلك الخدمة أساساً.

لإدارة هذا التحول، أنشأت الحكومة وحدة جديدة داخل مجلس الوزراء تحمل اسم مكتب الذكاء التنظيمي، وأوكلت إليها الإشراف على هذه المبادرة التشريعية. وجود جهة مخصصة بهذا الحجم يعكس أن الأمر ليس تجربة هامشية، بل سياسة دولة تُدار من أعلى المستويات.

كيف يعمل النظام

بدلاً من الاكتفاء بأتمتة الخدمات، تحاول الإمارات إدخال الذكاء الاصطناعي إلى صميم عملية صناعة القانون نفسها.
بدلاً من الاكتفاء بأتمتة الخدمات، تحاول الإمارات إدخال الذكاء الاصطناعي إلى صميم عملية صناعة القانون نفسها.

تقوم الفكرة على بناء قاعدة بيانات قانونية ضخمة تجمع النصوص التشريعية إلى جانب أحكام المحاكم وبيانات الخدمات الحكومية وأثرها الفعلي على المجتمع. ومن خلال تحليل هذه المنظومة المترابطة، يُفترض أن يقترح الذكاء الاصطناعي تحديثات وتعديلات على القوانين، مستنداً إلى كيفية عملها في الواقع لا إلى الافتراضات وحدها.

الوعد الأبرز هنا هو السرعة. إذ يقدّر المسؤولون أن هذا النظام قد يختصر دورة التشريع بنسبة تصل إلى سبعين في المئة. في عالم تتغير فيه التكنولوجيا والاقتصاد بوتيرة أسرع من قدرة البرلمانات التقليدية على مواكبتها، فإن قانوناً يُحدَّث في أشهر بدلاً من سنوات يمثل ميزة تنافسية حقيقية للدولة.

مقعد على طاولة الوزراء

لكن الإمارات ذهبت أبعد من مجرد الصياغة. فقد أعلنت أنه اعتباراً من يناير 2026، سيصبح ما يُعرف بـ«النظام الوطني للذكاء الاصطناعي» عضواً استشارياً في مجلس الوزراء، ومجلس التطوير الوزاري، ومجالس إدارات الجهات الاتحادية والشركات المملوكة للدولة، ليدعم رسم السياسات والتحليل الاستراتيجي واتخاذ القرار الحكومي.

هذه الخطوة، التي تندرج ضمن استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، تحمل رمزية هائلة. فلأول مرة يُمنح نظام ذكاء اصطناعي حضوراً رسمياً في أعلى هيئات صنع القرار في الدولة، لا بوصفه أداة يستخدمها الوزراء فحسب، بل بوصفه صوتاً استشارياً حاضراً على الطاولة إلى جانبهم.

المخاطر التي لا يمكن تجاهلها

غير أن هذا الطموح يفتح باباً من الأسئلة الشائكة التي لا تملك إجابات سهلة. أولها المساءلة: إذا اقترح النظام تعديلاً قانونياً أدى إلى ضرر أو ظلم، فمن يتحمل المسؤولية؟ القانون في جوهره فعل بشري يوازن بين القيم والمصالح والعدالة، وهي أمور يصعب اختزالها في بيانات وخوارزميات مهما بلغت دقتها.

ثم تأتي مخاطر الانحياز و«الهلوسة»؛ فأي نموذج ذكاء اصطناعي يعكس البيانات التي دُرّب عليها، وقد يعيد إنتاج انحيازات قائمة أو يقترح نصوصاً تبدو منطقية لكنها خاطئة. ولهذا يبقى الإشراف البشري والشفافية شرطين لا غنى عنهما: يجب أن يظل للإنسان الكلمة الأخيرة، وأن يكون واضحاً أي جزء من القانون اقترحته الآلة ولماذا.

في نهاية المطاف، تخوض الإمارات تجربة سيراقبها العالم كله عن كثب. فإذا نجحت في المزج بين سرعة الذكاء الاصطناعي وحكمة الرقابة البشرية، فقد تقدّم نموذجاً جديداً لحوكمة أكثر مرونة وكفاءة. أما إذا غلبت السرعة على التبصّر، فستكون درساً عالمياً عن حدود تفويض القرار للآلة. وفي الحالتين، فإن ما يُكتب اليوم في أبوظبي لا يخص الإمارات وحدها، بل يرسم ملامح سؤال سيواجه كل الحكومات قريباً.

عمر الفارسي
Stay updated
عمر الفارسي
Subscribe to get an email whenever عمر الفارسي publishes a new story. No spam, unsubscribe anytime.
عمر الفارسي
WRITTEN BY THE AUTHOR
عمر الفارسي
2026-08-22 · 3 min read · 0 reads
View profile →
VERIFY THIS STORY
ASK AI
MORE FROM عمر الفارسي
Report this articlesupport@avalw.com