عمر الفارسيVIEW PROFILE →
من القمر إلى حزام الكويكبات: كيف ترسم الإمارات خارطة طموحها الفضائي في 2026
بينما يتقدم مسبار المشتري لاستكشاف حزام الكويكبات نحو إطلاق 2028، يستعد مركز محمد بن راشد للفضاء لإرسال المستكشف رشيد 2 إلى الجانب البعيد من القمر في 2026. جولة في أبرز مشاريع الإمارات الفضائية.
غالباً ما يتصدر الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والسيارات ذاتية القيادة عناوين الأخبار التقنية في دولة الإمارات، غير أن هناك جبهة أخرى لا تقل طموحاً تتقدم بثبات بعيداً عن الأضواء، وهي برنامج الدولة الفضائي. فمن سطح القمر إلى حزام الكويكبات البعيد، ترسم الإمارات خارطة طريق علمية تضعها في مصاف الدول الرائدة في استكشاف الفضاء.
هذا التوجه ليس مجرد سعي وراء الرمزية أو الفخر الوطني، بل هو استثمار استراتيجي في المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة وبناء الكفاءات الوطنية. فكل مهمة فضائية تمثل تحدياً هندسياً وعلمياً هائلاً، وتترك أثراً يمتد إلى قطاعات متعددة داخل الاقتصاد المعرفي الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه بقوة.
رحلة إلى حزام الكويكبات

في صدارة هذه الطموحات يأتي مسبار المشتري، أو ما يعرف بمسبار إم بي آر إكسبلورر، الذي سُمي تكريماً للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة وحاكم دبي. من المقرر إطلاق هذا المسبار في عام 2028 في رحلة استثنائية تمتد لمسافة خمسة مليارات كيلومتر وتستغرق نحو ثماني سنوات كاملة.
وقد قطع المشروع شوطاً مهماً بالفعل. فبعد الانتهاء بنجاح من مراجعة التصميم الحرجة العام الماضي، انتقلت المهمة الآن إلى مرحلة التجميع والدمج والاختبار في ظروف مشابهة لظروف الفضاء، وذلك لضمان الجاهزية الكاملة للإطلاق المستهدف في الربع الأول من عام 2028.
أما الأهداف العلمية للمهمة فهي طموحة للغاية. إذ سيقوم المسبار بعمليات تحليق قريبة من سبعة كويكبات مختارة بعناية، لدراسة بنيتها وتاريخها، على أن تُختتم الرحلة بمحاولة هبوط على أحد هذه الكويكبات لالتقاط صور تفصيلية وجمع بيانات قيّمة مباشرة من سطحه.
عودة إلى القمر
على جبهة أقرب إلينا، يواصل مركز محمد بن راشد للفضاء استعداداته للعودة إلى القمر. فالمركز يخطط لإرسال المستكشف القمري رشيد 2 إلى الجانب البعيد من القمر في عام 2026، على متن مركبة الهبوط بلو غوست 2 التابعة لشركة فايرفلاي إيروسبيس الأمريكية.
وتشير آخر التطورات إلى أن الدولة تقترب أكثر فأكثر من تحقيق هذا الهدف. فقد أكمل مركز محمد بن راشد للفضاء جولة جديدة من الاختبارات الحرجة على المستكشف رشيد 2 في الولايات المتحدة، وذلك ضمن التحضيرات الجارية على قدم وساق استعداداً لإطلاق المركبة خلال هذا العام.
ويكتسب استهداف الجانب البعيد من القمر أهمية علمية خاصة، إذ يُعد من أقل المناطق استكشافاً وأكثرها غموضاً. فالنجاح في الوصول إليه ودراسته من شأنه أن يضع الإمارات ضمن نخبة محدودة من الجهات التي خاضت هذا النوع من المهام القمرية المعقدة والدقيقة.
رواد الفضاء والإرث المتراكم
لا يقتصر البرنامج الفضائي الإماراتي على المسابر والمستكشفات الآلية، بل يشمل أيضاً العنصر البشري. فقد راكم برنامج رواد الفضاء الإماراتي إنجازات ملموسة من خلال مهمتي طموح زايد الأولى والثانية، اللتين حملتا رواداً ومواد علمية إلى الفضاء وعادتا بخبرات ثمينة.
هذه المهمات لم تكن أحداثاً منفصلة، بل حلقات في سلسلة متصلة من بناء القدرات. فكل رحلة لرائد فضاء إماراتي تسهم في تدريب كوادر وطنية، ونقل المعرفة، وترسيخ حضور الدولة في المنظومة الدولية لاستكشاف الفضاء المأهول على المدى الطويل.
ومن المقرر أن يستعرض مركز محمد بن راشد للفضاء أبرز محطات هذا المسار، بما في ذلك مقتنيات سافرت إلى الفضاء خلال مهمتي طموح زايد، بما يمنح الجمهور والمهتمين نظرة أعمق على الإنجازات التراكمية التي حققها البرنامج الإماراتي عبر السنوات.
رؤية بعيدة المدى
ما يميز التجربة الإماراتية هو الجمع بين مهمات قريبة قابلة للتحقيق في المدى المنظور، مثل الوصول إلى القمر، وبين مشاريع بعيدة المدى وشديدة الطموح، مثل رحلة الثماني سنوات إلى حزام الكويكبات. هذا المزيج يعكس استراتيجية مدروسة توازن بين النتائج السريعة والرهانات الكبرى.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن الإمارات تنظر إلى الفضاء ليس باعتباره ترفاً علمياً، بل ركيزة أساسية لاقتصاد المستقبل القائم على المعرفة. وإذا سارت المشاريع وفق الجدول المعلن، فإن السنوات المقبلة قد ترسخ مكانة الدولة كواحدة من القوى الفضائية الصاعدة على مستوى العالم.






