عمر الفارسيVIEW PROFILE →
القفزة الكمومية: كيف أصبحت الإمارات أول دولة في المنطقة تتيح الحوسبة الكمومية عبر السحابة
في خطوة رائدة، أطلق معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي وصولاً سحابياً إلى معالجاته الكمومية المطوّرة محلياً، ليصبح أول مؤسسة في الشرق الأوسط تقدم هذه الخدمة. من الشراكة مع كوانتينيوم إلى أدوات الحلول الكمومية، إليكم كيف ترسم الإمارات ملامح مستقبل الحوسبة.
في الوقت الذي رسّخت فيه الإمارات مكانتها كقوة صاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي والفضاء، تتجه أنظارها الآن نحو حدود علمية أكثر تعقيداً وطموحاً، وهي الحوسبة الكمومية. هذه التقنية التي طالما بدت أشبه بالخيال العلمي باتت اليوم واقعاً ملموساً في أبوظبي، مع خطوات عملية تضع الدولة في طليعة السباق العالمي نحو المستقبل الرقمي.
أول وصول سحابي كمومي في الشرق الأوسط
شهد الثالث والعشرون من فبراير لعام 2026 محطة تاريخية، حين أطلق معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي خدمة الوصول السحابي إلى وحدات المعالجة الكمومية فائقة التوصيل التي طوّرها بنفسه داخلياً. وبهذه الخطوة، أصبح المعهد أول مؤسسة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها تتيح إمكانية الوصول إلى الحوسبة الكمومية عبر السحابة.
تتراوح قدرات هذه المعالجات الكمومية بين خمسة وخمسة وعشرين كيوبت، وهي وحدة القياس الأساسية في عالم الكم، وتعتمد في تشغيلها على إطار العمل المفتوح المصدر المعروف باسم كيبو. هذا الانفتاح على الأدوات مفتوحة المصدر يعكس رؤية تهدف إلى بناء منظومة بحثية تعاونية تتجاوز حدود المختبرات المغلقة.

الأهم من الأرقام وحدها هو التطور النوعي الذي تحقق، إذ تتميز هذه المعالجات السحابية بأزمنة ترابط أطول بعشر مرات مقارنة بالنماذج الأولية السابقة. وزمن الترابط عامل حاسم في الحوسبة الكمومية، لأنه يحدد المدة التي يمكن للنظام خلالها إجراء العمليات الحسابية قبل أن تتلاشى حالته الكمومية الدقيقة.
شراكة استراتيجية مع كوانتينيوم
لم يكتفِ معهد الابتكار التكنولوجي بتطوير قدراته الداخلية، بل عمد إلى تعزيزها عبر تحالفات دولية رفيعة المستوى. فقد وقّع المعهد اتفاقية استراتيجية مع شركة كوانتينيوم، إحدى أبرز الشركات العالمية في هذا المجال، بهدف تطوير أبحاث الحوسبة الكمومية وتصميم الخوارزميات والتطبيقات التجارية داخل دولة الإمارات.
بموجب هذه الاتفاقية، يحصل المعهد على إمكانية الوصول إلى أنظمة كوانتينيوم الكمومية عالية الدقة، بما في ذلك منصة هيليوس المرتقبة. وتأتي هذه الشراكة لتكمّل المنظومة القائمة من التقنيات الكمومية لدى المعهد، ما يمنحه مزيجاً قوياً من القدرات المحلية المطوّرة ذاتياً والخبرات العالمية المتقدمة في آن واحد.
من النظرية إلى حلول واقعية
تكمن القيمة الحقيقية للحوسبة الكمومية في قدرتها على حل مشكلات معقدة تعجز عنها الحواسيب التقليدية، وهو ما يعمل عليه المعهد بشكل عملي. ففي نوفمبر من عام 2025، نجح المعهد في دمج برمجيات كيبو الوسيطة مع منصة كودا-كيو من إنفيديا، بهدف إتاحة سير عمل هجين يجمع بين الحوسبة الكمومية والكلاسيكية معاً.
وفي إطار ترجمة هذه الأبحاث إلى تطبيقات نافعة، أطلق المعهد أداة حل كمومية طُوّرت داخلياً لمعالجة مشكلات التحسين واسعة النطاق. وتستهدف هذه الأداة قطاعات حيوية ومتعددة تشمل الخدمات اللوجستية والاتصالات والتمويل والطاقة، وهي مجالات يمكن أن تحدث فيها الحلول الكمومية فارقاً اقتصادياً كبيراً ومباشراً.
هذا التوجه نحو التطبيقات العملية يعكس فلسفة واضحة تقوم على أن التفوق العلمي يجب أن ينعكس على أرض الواقع. فبدلاً من حصر الأبحاث الكمومية في النطاق النظري البحت، تسعى الإمارات إلى توظيف هذه التقنية لخدمة اقتصادها وصناعاتها، بما يعزز تنافسيتها ويحولها إلى مركز إقليمي وعالمي للابتكار.
مركز أبحاث برؤية بعيدة المدى
تعود هذه الإنجازات إلى مؤسسة حديثة نسبياً لكنها سريعة الصعود، فمعهد الابتكار التكنولوجي هو معهد للأبحاث التطبيقية تأسس في عام 2020 ويتخذ من أبوظبي مقراً له، ويعمل تحت مظلة مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، ما يمنحه دعماً مؤسسياً قوياً ورؤية استراتيجية طويلة الأمد.
ويتولى مركز الأبحاث الكمومية التابع للمعهد قيادة هذه الجهود، إذ يركز عمله على ثلاثة محاور رئيسية هي الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية والتشفير الكمومي. هذا التنوع في مجالات البحث يضمن أن تغطي الإمارات مختلف جوانب هذه الثورة التقنية، من معالجة البيانات إلى تأمينها ونقلها بشكل آمن.
في المحصلة، تمضي الإمارات بخطى واثقة نحو ترسيخ حضورها في واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً في القرن الحادي والعشرين. فمن خلال الجمع بين التطوير المحلي والشراكات الدولية والتطبيقات العملية، لا تكتفي الدولة بمواكبة الثورة الكمومية، بل تسعى بجدية لأن تكون أحد اللاعبين الأساسيين في رسم ملامح مستقبل الحوسبة في العالم.






