عمر الفارسيVIEW PROFILE →
عاصمة التقنية المالية: كيف أصبحت الإمارات مركز الفنتك الأول في الشرق الأوسط
بعيداً عن ناطحات السحاب، بنت الإمارات منظومة تقنية مالية جعلتها المركز الأول للفنتك في الشرق الأوسط، بأكثر من 700 شركة وبيئة تنظيمية مرنة وبنوك رقمية بلا فروع تعيد رسم مستقبل المال في المنطقة.
حين يفكر العالم في الإمارات، غالباً ما تتبادر إلى الذهن ناطحات السحاب والنفط، لكن في السنوات الأخيرة برزت قصة أقل ضجيجاً وأعمق أثراً: تحوّل الدولة إلى المركز الأول للتقنية المالية أو الفنتك في الشرق الأوسط. فاليوم تحتضن الإمارات أكثر من سبعمئة شركة فنتك، وتقدَّر قيمة سوقها في هذا القطاع بنحو اثنين وخمسين مليار دولار في عام 2026، مع توقعات بأن تصل إلى تسعين مليار دولار بحلول عام 2031.
الرمال التنظيمية التي أطلقت الابتكار
سرّ هذا النجاح لا يكمن في المال وحده، بل في البيئة التنظيمية الذكية. فقد أنشأ مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي ما يُعرف بـ«البيئات التجريبية» أو الساندبوكس، وهي مساحات آمنة تتيح للشركات الناشئة اختبار تقنياتها الجديدة قبل طرحها للجمهور. هذا النهج المرن جذب اللاعبين العالميين والإقليميين معاً، حتى بلغ عدد الشركات المرخّصة في مركز دبي المالي العالمي وحده أكثر من ألف وخمسين شركة بنهاية 2025.
بنوك بلا فروع
من أبرز ثمار هذه المنظومة ظهور جيل جديد من البنوك الرقمية التي لا تملك فروعاً تقليدية على الإطلاق. فبنوك مثل «ويو» و«زاند» أرست معايير جديدة في كفاية رأس المال وإدارة المخاطر التقنية، إلى جانب لاعبين نشطين آخرين مثل «واي إيه بي». صار بإمكان المستخدم فتح حساب وإدارة أمواله وإجراء تحويلاته بالكامل من خلال هاتفه، دون الحاجة إلى زيارة أي فرع أو الوقوف في طابور.
اشترِ الآن وادفع لاحقاً
أحد أسرع القطاعات نمواً هو خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً»، التي غيّرت طريقة تسوّق الناس ودفعهم. فقد نمت شركات مثل «تابي»، التي جمعت مئة وستين مليون دولار في جولة تمويلية، و«تمارا» بوتيرة لافتة، ولم يعد هذا النموذج مقتصراً على الأفراد بل امتد إلى تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما فتح أمامها أبواب السيولة والائتمان التي كانت صعبة المنال في السابق.
الشمول المالي
لا تقتصر ثورة الفنتك على الأثرياء والمستثمرين، بل تمتد إلى شريحة طالما بقيت خارج النظام المصرفي التقليدي. فقد ركّزت شركات مثل «ناو موني» على خدمة العمالة ذات الدخل المحدود، ومكّنتها من استلام رواتبها وإرسال تحويلاتها إلى ذويها في الخارج بسهولة وأمان. وبهذا تحوّل الهاتف المحمول إلى بوابة مالية حقيقية لملايين ممن لم يمتلكوا يوماً حساباً بنكياً كاملاً.
تحديات وطموح
مع كل هذا الزخم، تبقى هناك تحديات حقيقية. فالمنافسة تشتد، والتنظيم يجب أن يواكب سرعة الابتكار، وتظل قضايا الأمن السيبراني وحماية المستهلك من الإفراط في الاستدانة عبر خدمات الدفع الآجل مصدر قلق دائم. ومع ذلك، تبدو الإمارات في موقع يؤهلها لأن تكون بوابة عالمية للفنتك، تربط بين الشرق والغرب وترسم ملامح مستقبل المال في المنطقة بأكملها.






