عمر الفارسيVIEW PROFILE →
الإمارات تحلّق نحو الفضاء: صناعة الأقمار الاصطناعية تنطلق محلياً
يشهد قطاع الفضاء في الإمارات نهضة لافتة خلال عام 2026، مع تصنيع الأقمار الاصطناعية محلياً وإطلاق كوكبات جديدة واستراتيجية وطنية طموحة تهدف إلى ترسيخ مكانة الدولة عالمياً.
شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في قطاع الفضاء، إذ لم تعد الدولة مجرد مستخدم للتقنيات الفضائية، بل أصبحت لاعباً فاعلاً يسعى إلى تصنيع أقماره الاصطناعية بنفسه. ويبدو أن عام 2026 يمثل محطة بارزة وحاسمة في هذا المسار الطموح.
لم يعد الفضاء بالنسبة للإمارات مجرد حلم بعيد المنال، بل تحوّل إلى قطاع استراتيجي تُضخّ فيه استثمارات ضخمة وتُبنى من أجله كفاءات وطنية متخصصة. وتتنوع المشاريع الحالية بين تصنيع الأقمار محلياً وإطلاق كوكبات متكاملة وتطوير منصات بيانات متقدمة يستفيد منها الباحثون والمهتمون.
صناعة محلية للأقمار
من أبرز ملامح هذه النهضة ظهور شركات وطنية متخصصة في تصنيع الأقمار الاصطناعية داخل الدولة. فقد برزت شركة أوربت ووركس بوصفها إحدى الجهات الساعية إلى بناء كوكبة من الأقمار المصنوعة محلياً، في خطوة تعكس طموح الإمارات نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال الحيوي.
وفي إنجاز يُعدّ الأول من نوعه، جرى نقل القمر الاصطناعي التجاري ألتير-1 من دبي إلى مدينة لوس أنجلوس تمهيداً لإطلاقه المقرر في شهر أكتوبر من عام 2026. ويُعدّ هذا القمر، المخصص لرصد الأرض، أول قمر اصطناعي تجاري تُصنّعه الدولة محلياً بالكامل عبر شركاتها الوطنية.
كوكبة رادارية متكاملة
إلى جانب هذه المشاريع، اكتملت مؤخراً منظومة متقدمة من الأقمار الاصطناعية تعتمد على تقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية. فقد أصبحت الأقمار الثلاثة فورسايت-3 وفورسايت-4 وفورسايت-5 في وضع التشغيل الكامل اعتباراً من شهر يونيو الماضي، لتنضم بذلك إلى المنظومة القائمة بالفعل.
وبهذا التوسع، بات إجمالي عدد الأقمار العاملة بتقنية الرادار في هذه الكوكبة خمسة أقمار اصطناعية. وقد جرى إطلاق هذه الأقمار بالتعاون مع شركة سبيس إكس انطلاقاً من قاعدة كيب كانافيرال في ولاية فلوريدا الأمريكية، وهو ما يعكس طبيعة الشراكات الدولية الواسعة التي تعتمدها الدولة.
أقمار للملاحة والبيئة
ولا يقتصر النشاط الفضائي الإماراتي على الرصد التجاري فحسب، بل يمتد ليشمل مجالات حيوية أخرى مثل الملاحة وحماية البيئة. فقد أطلق المركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء التابع لجامعة الإمارات القمر ليوناف-1 المخصص لتطوير أنظمة الملاحة في المدار الأرضي المنخفض بدقة أعلى.
وقد دخل هذا القمر مرحلة التشغيل المبكر لاختبار أنظمته المختلفة، بدعم وتمويل من وكالة الإمارات للفضاء ضمن الاستراتيجية الوطنية الشاملة للقطاع. وتهدف مثل هذه المشاريع إلى تعزيز دقة أنظمة الملاحة وكفاءتها، بما يخدم قطاعات متعددة تعتمد على هذه التقنيات في عملها اليومي.
استثمار بمليار درهم
وإدراكاً لأهمية هذا القطاع الواعد، كشف سموّ الشيخ حمدان بن محمد، ولي عهد دبي ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، في شهر مايو الماضي عن مبادرة طموحة بقيمة مليار درهم، أي ما يعادل نحو 272 مليون دولار أمريكي، لدعم مكانة الدولة في القطاع الفضائي على المستوى العالمي.
وتأتي هذه المبادرة في إطار برنامج التعاون الفضائي الدولي، الذي يسعى إلى تعزيز حضور الإمارات على الساحة الفضائية العالمية. ويعكس حجم هذا الاستثمار مدى الجدية التي توليها القيادة لهذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية من ركائز اقتصاد المعرفة في الدولة.
منصة مفتوحة للبيانات
ومن الخطوات اللافتة أيضاً إطلاق وكالة الإمارات للفضاء منصة رقمية مفتوحة تتيح للباحثين والطلاب والشركات الناشئة الوصول إلى صور الأقمار الاصطناعية والاستفادة منها بسهولة. وقد انطلقت هذه المنصة في شهر أكتوبر من عام 2025، لتشكّل مورداً مهماً وقيّماً للمهتمين بهذا المجال.
وتوفر هذه المنصة بيانات مستمدة من أكثر من 300 قمر اصطناعي تابع لجهات عالمية مرموقة، من بينها وكالة ناسا الأمريكية ووكالة الفضاء الأوروبية وشركة ماكسار ومركز محمد بن راشد للفضاء. ويسهم هذا التنوع الكبير في إثراء الأبحاث والدراسات العلمية داخل الدولة وخارجها على حد سواء.
من ثريا إلى المستقبل

ورغم كل هذه الإنجازات الحديثة، فإن رحلة الإمارات نحو الفضاء بدأت منذ سنوات طويلة، وتحديداً مع إطلاق أول أقمارها ثريا-1 في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2000. واليوم، تبدو الدولة أكثر إصراراً من أي وقت مضى على المضي قدماً نحو ترسيخ مكانتها بين الدول الرائدة في هذا المجال.






