عمر الفارسيVIEW PROFILE →
زراعة في قلب الصحراء: كيف تراهن الإمارات على المزارع العمودية لتأمين غذائها
تستورد الإمارات نحو 85% من غذائها، لكنها تعيد رسم المعادلة عبر التكنولوجيا. من مزرعة «بستانيكا» الأكبر في العالم إلى مشاريع أضخم، كيف تحوّل الدولة الصحراء إلى مصدر للغذاء الطازج.
في بلد تغطي الصحراء معظم مساحته وترتفع فيه درجات الحرارة صيفاً إلى مستويات قاسية، تبدو الزراعة التقليدية تحدياً شبه مستحيل. ومع ذلك، تراهن الإمارات على التكنولوجيا لتحويل هذا التحدي إلى فرصة، عبر جيل جديد من المزارع العمودية المغلقة التي تنتج الغذاء الطازج بعيداً عن التربة والحقول المكشوفة وتقلبات الطقس.
بستانيكا: الأكبر في العالم
أبرز رموز هذا التحول هي مزرعة «بستانيكا» في دبي، التي توصف بأنها أكبر مزرعة عمودية داخلية في العالم. تمتد المنشأة على مساحة تقارب 330 ألف قدم مربعة موزعة على ثلاثة طوابق، وتنتج أكثر من مليون كيلوغرام من الخضروات الورقية سنوياً. وقد أصبحت مملوكة بالكامل لمؤسسة الإمارات للتموين، وهو ما يعكس جدية الدولة في دخول هذا المجال.
ماء أقل ومحصول أوفر

الميزة الأهم لهذه المزارع ليست حجم الإنتاج فحسب، بل كفاءة استخدام الموارد. فنظام «بستانيكا» المغلق يستهلك مياهاً أقل بنحو 95 بالمئة مقارنة بالزراعة التقليدية، إذ يكفيه نحو 15 لتراً من الماء لإنتاج كيلوغرام واحد من المحصول. هذا يعني توفير مئات الملايين من لترات المياه سنوياً، وهو أمر بالغ الأهمية في منطقة تعاني أصلاً من ندرة المياه العذبة.
من بستانيكا إلى مشاريع أضخم
لا تتوقف الطموحات عند هذا الحد. فقد أُعلن عن مشروع أكبر يحمل اسم «جيجا فارم»، يهدف إلى إنتاج آلاف الأطنان من المحاصيل سنوياً واستبدال جزء من واردات البلاد من الخضار الطازجة. مثل هذه المشاريع تعتمد على تقنيات متقدمة في الإضاءة والتحكم بالمناخ والأتمتة، وتحوّل الزراعة من عمل تقليدي إلى صناعة تكنولوجية دقيقة بكل معنى الكلمة.
لماذا كل هذا الاستثمار؟
الدافع وراء هذا الاندفاع واضح تماماً: الأمن الغذائي. فالإمارات تستورد نحو 85 بالمئة من غذائها، ما يجعلها عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية وأزماتها. لذلك تُعد الزراعة التكنولوجية جزءاً محورياً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إنتاج نسبة أكبر من الغذاء محلياً، وتقليل الاعتماد على الخارج قدر الإمكان في السنوات المقبلة.
بالطبع، تبقى هناك تحديات قائمة، أبرزها ارتفاع تكلفة الطاقة اللازمة لتشغيل هذه المزارع وحجم الاستثمارات الأولية الضخمة التي تتطلبها. لكن الاتجاه العام يبدو راسخاً: الإمارات تريد أن تثبت أن الصحراء ليست بالضرورة عائقاً أمام الاكتفاء الغذائي، وأن التكنولوجيا قادرة على إنبات الغذاء حتى في أكثر البيئات قسوة على وجه الأرض.






